أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى
145
إيقاظ الهمم في شرح حكم سيدي أحمد بن عطاء الله السكندري
ثم خرج عني ، قال الجنيد فقلت : الصواب ما قاله الشاب لأني إذا كنت في حالة الجفاء ، ثم نقلني إلى شهود الصفاء ، فذكر الجفاء في حال الصفاء جفاء انتهى . قلت : نظر السري إلى أهل البداية ، ونظر الجنيد إلى أهل النهاية ، والكل صواب ، واللّه تعالى أعلم . ثم ذكر موجب تصغير الذنب فقال : [ فإنّ من عرف ربّه استصغر في جنب كرمه ذنبه ] . قلت : بل من عرف ربه غاب عن رؤية ذنبه لفنائه عن نفسه بشهود ربه ، فإن صدر منه فعل يخالف الحكمة ، غلب عليه شهود النعمة . قال تعالى : نَبِّئْ عِبادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [ الحجر : 49 ] ، وأما قوله تعالى : وَأَنَّ عَذابِي هُوَ الْعَذابُ الْأَلِيمُ [ الحجر : 50 ] ، فإنما هو لمن لم يتب . وقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم : « لو أذنبتم حتّى تبلغ خطاياكم عنان السماء ثمّ تبتم لتاب اللّه عليكم ، ولو أنّ العباد لم يذنبوا لذهب اللّه بهم ثم جاء بقوم آخرين يذنبون فيستغفرون فيغفر لهم وهو الغفور الرحيم « 1 » » ، « واللّه أفرح بتوبة عبده من الظّمآن الوارد ، ومن العقيم الوالد ومن الضالّ الواجد لكن لا ينبغي أن يصغر عنده ذنبه حتى يغترّ بحلم اللّه « 2 » » ، وقد أوحى اللّه إلى داود عليه السلام : يا داود قل لعبادي الصّدّيقين : لا يغتروا فإني إن أقم عليهم عدلي وقسطي أعذّبهم غير ظالم لهم ، وقل لعبادي المذنبين : لا يقنطوا فإنه لا يعظم عليّ ذنب أغفره لهم انتهى . وقال الجنيد رضي اللّه تعالى عنه : إذا بدت عين من الكريم ألحقت المسئ بالمحسن . وقال الشيخ أبو العباس رضي اللّه تعالى عنه في حزبه : إلهي معصيتك نادتني بالطاعة ، وطاعتك نادتني بالمعصية ، ففي أيهما أخاف ، وفي أيهما أرجو ؟ إن قلت بالمعصية قابلتني بفضلك فلم تدع لي خوفا ، وإن قلت بالطاعة قابلتني
--> ( 1 ) رواه مسلم ( 4 / 2106 ) ، وأحمد ( 1 / 289 ) بنحوه . ( 2 ) رواه البخاري ( 5 / 2324 ) ، ومسلم ( 4 / 2102 ) ، والترمذي ( 5 / 547 ) ، والنسائي في الكبرى ( 6 / 453 ) ، وابن ماجة ( 2 / 1419 ) .